27‏/10‏/2016

أهمية وسائل التواصل في معالجة الظواهر الاجتماعية.



المصدر: جريدة العرب القطرية.

وانبرى الكتاب إلى قياس تأثير وسائل التواصل والإعلام في معالجة الظواهر الاجتماعية، بخلفية سوسيولوجية تبني على ما حققته البشرية في العقود الأخيرة من طفرات في تكنولوجيا الإعلام وتنامي وسائط التواصل ودورها المؤثر في تشكيل القناعات الاجتماعية والسلوكية لدى الأفراد والمجتمعات.
وجاء تقدير الكاتب في مقاربته لموضوع التواصل لمعالجة الظاهرة الاجتماعية (صحية، أو نفسية، أو سلوكية، أو تربوية..) من الحاجة إلى فهم ما يُفكر فيه طيف من أفراد المجتمع حين يكونون على قناعة معينة إلا أن سلوكياتهم تتجه إلى نقيضها، كموضوع السلامة على الطريق والكيفية التي يتمثل بها كل منا لقوانين المرور (مثلا)! 
ولذلك استقر رأي الباحث في كتابه الصادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط في 248 صفحة من القطع الكبير، على معالجة موضوع «حوادث السير في المغرب» باعتبارها ظاهرة اجتماعية تشغل بال المغاربة من مختلف مستوياتهم، لما تطرحه من تحديات اجتماعية وثقافية واقتصادية وتنموية، ولها حضورها في وسائل التواصل بمختلف وسائطها المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية.
وعلى غرار غالبية الأبحاث المتخصصة تناول الكاتب في بسطه للمفاهيم النظرية، التي أطرت البحث/الدراسة المفهوم الإعلامي لعملية التواصل، من باب التمييز بين مفهومي الإعلام والتواصل وما يتيحانه من «تفاعل رمزي بين البشر»، لاسيما بعد تطور وسائل الاتصال الجماهيري، التي أصبحت تتسم بعمق التأثير وسعة الانتشار، على غرار الصورة التي ارتسمت في الأذهان من «الساحات التي شهدت بعض أطوار ما يُعرف بموجة الربيع العربي».
ويكتسي الكتاب أهميته العلمية من كونه يُركز على تقويم أثر المجهود الاتصالي في معالجة الظاهرة الاجتماعية ومقاربة موقع حملات التواصل في هذا الاتجاه، استنادا إلى نتائج الدراسات التي يقوم بها عادة متخصصون في مجالات السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس، مما يساعد الباحث على قياس فعالية مخططات التواصل الموجهة.
وفي هذا الصدد قدم الكتاب إجابات مفيدة لعدد من الأسئلة تتعلق على الخصوص بطبيعة ومقومات المقاربة المعتمدة لمعالجة الظاهرة الاجتماعية (حوادث المرور في حالتنا)، وأبعادها السوسيولوجية والثقافية والتنموية، باعتبارها، تصنف ضمن إطار «الإشكالية التنموية»، التي تطرح تحديات مُعينة على المجتمع، وتكون لها آثار على بنائه وديمومته واستقراره ووتيرة نمائه.
وفي هذا السياق أبرز الباحث مثلا سؤال التعاطي مع بعض التمثلات السوسيولوجية لبعض الفئات من الشعب، التي تزعُم أن القانون ليس سوى وسيلة تطوعها السلطة وتستعملها النخبة للسيطرة على مقدرات البلاد وحماية نفسها (...) لذا لا يجب احترامه! وهي القناعة التي تتغذى على عوامل الهشاشة الاجتماعية والمعرفية، واستشراء الأمية في أوساط عديدة من المجتمع؟
وطرح الباحث كذلك سؤال القدرة على حصر العوامل التي تشجع أو لا تشجع على مخالفة القوانين، بما ساعد على تحديد طبيعة المشكلة وتحديد استراتيجية التدخل التي تتناسب مع الطبيعة السيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تشجع وتساند، عادة، البعض على مخالفة القوانين.
وتبقى الإجابة على هذه التساؤلات مفيدة في تحديد ما إذا كان مهما تحسين السياسة التواصلية المتبعة، وتوسيط الرسالة الإعلامية بشكل يتناسب مع طبيعة كل فئة على حدة، والنظر في الاختيار الأمثل لتركيز السياسة الإعلامية، وما إذا كان يتعين أن ينصب الاهتمام على وسائل الإعلام الرئيسية أو التقليدية مثل الصحف والتلفزيون والراديو، أو تكثيف العمل من خلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت أكثر تأثيرا اليوم من غيرها.
ويُفيد الكتاب الطلاب والباحثين، المتوجهين لدراسة السلوك والظواهر الاجتماعية وأثر عمليات التواصل في الحد منها، في الاستئناس بالنظريات المُثلى لمقاربة أبعاد الاستراتيجيات والتكتيكات والمتغيّرات الإعلامية، التي تأخذ بعين الاعتبار التحول المضطرد في ذهنية الأفراد، وتطور وسائل الإعلام وتنوعها وكثرتها، وهو الشيء الذي يجنب الباحثين الشباب الوقوع حبيسي النظرة الأحادية.
ومن خلال الكتاب الذي بين أيدينا سيكون متاحا فهم كيفية مقاربة سلوك الأفراد، وتقدير البواعث الكامنة وراء أفعالهم في المجتمع، وتملك المنهجية لدراسة السلوك المرتبط بالظاهرة الاجتماعية.
وقد أجرى الباحث في كتابه عددا من الدراسات المقارنة لبعض القضايا السوسيولوجية التي ظهرت في الإعلام، وخلص إلى أنه يتعين على كل باحث أن يقف على مفاصل الإشكاليات العملية والإجرائية التي يتناولها في معالجته لقضية من القضايا التي تستأثر باهتمام كبير، كونها قد تمثل تحديا كبيرا أمام نجاح أطروحته، وأن يحد من قابلية إجراءاتها ضمن خطة تواصلية تتوخى بلوغ الأهداف، بحكمة أنه «لا يمكنك التحكم في الرياح، لكن يمكنك مجاراتها بإعادة توجيه الأشرعة».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق